ابن تيميه
26
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
به عن اللّه ، وطاعتهم فيما أمروا به ، ومتابعتهم ومحبتهم وموالاتهم ، لا التكذيب بما أرسلوا به ، والإشراك بهم والغلوّ فيهم ، بل هذا كفر بهم وطعن فيهم ومعاداة لهم . [ من قصد السفر إلى المدينة فليقصد السفر إلى المسجد ] والمقصود أن كل من قصد السفر إلى المدينة فعليه أن يقصد السفر إلى المسجد والصلاة فيه ، كما إذا سافر إلى المسجد الحرام والمسجد الأقصى ، وإذا قصد السفر إلى القبر دون المسجد وجعل المسجد لا يسافر إليه إلا لأجل القبر ، واعتقد أن السفر إليه تبع للقبر كما يسافر إلى قبور سائر الصالحين ويصلي في مساجد هناك ، فمن جعل السفر إلى مسجد الرسول صلى اللّه عليه وسلّم وقبره كالسفر إلى قبور هؤلاء المساجد التي عندهم ، فقد خالف إجماع المسلمين وخرج عن شريعة سيد المرسلين ، وما سنه لأمته الغرّ الميامين ، بخلاف الذي قصد المسجد . وإلا فمن جهة العمل لا يمكن أحدا أن يفعل عند قبره لا سنة ولا بدعة ، إنما يفعل ذلك في المسجد ، فمن فعل فيه سنة حمد عليها وأجر عليها ، ومن فعل فيه بدعة ذمّ ونهي عنها ، ففي الصحيحين عنه أنه قال : « المدينة حرم ما بين عير إلى ثور ، من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل اللّه منه صرفا ولا عدلا » « 1 » . واللّه سبحانه قد فرق بين قبر رسوله وقبر غيره ، فإنهم دفنوه بالحجرة لم يبرزوا قبره كما كانوا يبرزون قبورهم خوفا أن يتخذ مسجدا ، ثم إنهم منعوا الناس من زيارته كما يزورون القبور ، فلم يكونوا يمكنون الناس من الدخول إلى قبره لزيارته ، ثم إنهم سدوا باب الحجرة وبنوا عليها حائطا آخر ، فلم يبق أحد متمكنا من زيارته كما تزار القبور . ولهذا لم يعرف عن أحد من الصحابة أنه تكلم بهذا الاسم في حقه ، فقال : تستحبّ زيارة قبره أو لا تستحب أو نحو ذلك ، ولا علق بهذا الاسم حكما شرعيا . وقد كره من كره من العلماء التكلم به ، وذلك اسم لا مسمى له ولفظ لا حقيقة له ، وإنما تكلّم به من تكلّم من المتأخرين ، ومع هذا فلم يريدوا به ما هو المعروف من زيارة القبور ، فإنه معلوم أن الذاهب إلى هناك إنما يصل إلى مسجده ، ليس هناك زيارة تفعل في غير مسجده ، ولو قدّر أنه وقف في الطريق من جهة المشرق وفعل ما فعل لم يكن هناك سنة عند أحد من العلماء ، وإذا كان لا بدّ للزائر من المسجد فالمسجد نفسه يشرع إتيانه سواء كان القبر هناك أو لم يكن ، وكل ما يشرع فيه من العبادات فإنه مشروع سواء كان القبر هناك أو لم يكن ، وسواء تعلق بالرسول كالصلاة والسلام عليه وسؤال اللّه له الوسيلة والثناء عليه والمحبة والتعظيم والتوقير وغير ذلك من حقوقه صلى اللّه عليه وسلّم ، أو لم يتعلق بالرسول كالصلاة والاعتكاف ، مع أنه لا بد في ذلك من ذكر
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 1870 ) ومسلم ( 1370 ) .